خاص

خاص: كاترين بابادوبولو - العملاق النائم: كيف يمكن لفقرة منسيّة أن تُحوّل لبنان قانونياً إلى الأبد



بقلم كاترين بابادوبولو

منذ عشرين عاماً، سلّم مجلس الأمن الدولي الحكومةَ اللبنانية مفتاحاً. لم تستخدمه قط. وقد يكون هذا الإغفال الإخفاقَ السياسي الأكثر أثراً في تاريخ لبنان الحديث.

في آب 2006، أصدر مجلس الأمن القرار 1701 لوضع حدٍّ للحرب بين إسرائيل وحزب الله. يتذكره معظم الناس بوصفه القرار الذي أسّس لقوة اليونيفيل، وطالب بانسحاب حزب الله إلى شمال نهر الليطاني. غير أن الفقرة 12 ظلّت مدفونةً في ثناياه قرابة عقدين من الزمن، بعيدةً عن الخطاب العام.

تدعو الفقرة 12 مجلسَ الأمن إلى ترخيص توسيع صلاحيات اليونيفيل ونشر قوات دولية إضافية لمساعدة لبنان على بسط سلطة الدولة، وذلك بناءً على طلب الحكومة اللبنانية. الكلمة المحورية هنا هي "الطلب" اي على الحكومة اللبنانية أن تتقدم بهذا الطلب، بحيث لا يملك أي طرف خارجي هذا المفتاح القانوني، بل هو محصور في بيروت، بين يدَي 
مجلس الوزراء.
ان هذا الطلب ليس تدخلاً أجنبياً، بل إنه استغاثة مشروعة ومحقّة لم تستخدمه الدولة اللبنانية طوال العقدين المنصرمين.
المفتاح القانوني موجود في بيروت، بين يدَي مجلس الوزراء، وقد بقي هناك طيلة تسعة عشر عاماً دون أن يُستخدم.

تعمل اليونيفيل اليوم في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة. تُراقب الانتهاكات وتُوثّقها وتُرفع التقارير عنها، في حين أنها غير مخوّلة لأن تحول ميدانياً وعسكرياً بين الجماعات المسلحة والمدنيين.
تراقب. تُوثّق. تُبلّغ.

‏‎في المقابل، يُجسّد الفصل السابع الذراع التنفيذية
 للقانون الدولي. يخوّل مجلسَ الأمن فرض عقوبات ملزمة، وتفويض الدول الأعضاء باستخدام كافة الوسائل الضرورية، وبما فيها نشر قوات مُكلّفة بإنفاذ السلام إنفاذاً فعلياً لا مجرد مراقبته. وقد تعني ولاية الفصل السابع في لبنان نشر قوات دولية مفوّضة بمساعدة الدولة فعلياً على بسط سلطتها، بما في ذلك مواجهة الجماعات المسلحة الرافضة لنزع سلاحها. ان تطبيق هذه الأحكام يوّفر كل الأدوات القانونية اللازمة لاحلال السلام ونزع سلاح الميليشيات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، فيما العنصر الوحيد الغائب هو الإرادة السياسية "الطلب".

تقوم الحجة لصالح تفعيل الفقرة 12 على ثلاثة معطيات متشابكة. أصدرت الحكومة اللبنانية قرارات وزارية متكررة، في آب 2025 وفي آذار 2026 في عهد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وهي تأمر بحصر السلاح بيد الدولة، ونزع سلاح الآخرين، وانتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي الوطنية. هذه ليست توصيات. إنها قرارات سيادية لحكومة شرعية قالت، مرتين وبصورة مكتوبة، ما تريد بالضبط. وقد أوضح حزب الله أنه لن يمتثل. الحكومة تمتلك الإرادة، وتفتقر إلى القدرة. والفقرة 12 تسدّ الهوة بين القرار السيادي والعجز عن تنفيذه. واللجوء إليها لن يكون تنازلاً عن السيادة، بل سيكون تعبيرها الأشد حزماً وإرادةً.

كيف تتمّ هذه العملية؟ يُصدر مجلس الوزراء قراراً يطلب رسمياً اتخاذ مجلس الأمن إجراءات اللازمة لتطبيق الفقرة 12. تُحيله وزارة الخارجية إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن، اللذَين يتداولان ثم يُصدران قراراً يُجيز توسيع الولاية في إطار الفصل السابع. إنه مسار قانوني محكَم. تمتلك الحكومة الحق والأدوات معاً.

غير أن الواقع السياسي يُعلّمنا أن الهندسة القانونية الأنيقة لا يصوّت عليها في مجلس الأمن. تمتلك روسيا والصين حق النقض ، وستحتجان على الأرجح أي توسيع للفصل السابع مرتبطاً بنزع سلاح حزب الله. وسيصف حلفاء إيران هذا المسار بأنه تغيير للنظام في زيّ أممي، كما يفعلون دائماً، وفي كل مرة يحاول فيها لبنان استعادة سيادته. بيد أن السعي في هذا المسار هو في حد ذاته شكل من أشكال القوة. فبناء الضغط الدولي وعزل حزب الله دبلوماسياً قد يُغيّر   الموازين والحسابات، أو يضع حزب الله أمام تسديد أثمان باهظة، بحيث تُغني مصداقية هذا التهديد حتى 
عن تنفيذه.

لو تجسّد الفصل السابع على الأراضي اللبنانية، فإن التداعيات ستكون تاريخية ولا رجعة فيها: قوات دولية تنتشر بصلاحية إنفاذ نزع السلاح، والجيش اللبناني يمتد إلى مناطق لم يبسط سيطرته عليها قط، والدولة الموازية لحزب الله أمام خيارَي الامتثال أو المواجهة المباشرة، ولبنان أمام فرصته الحقيقية الأولى منذ عام ١٩٦٩ ليكون بلداً تنفرد فيه الدولة وحدها بقرار الحرب والسلام.

أجاب القانون على كل الاسئلة إلا سؤالاً واحداً، وهو ليس سؤال قانوني. يتعلق الأمر بما إذا كانت هذه الحكومة تريد أن تُذكر بوصفها مجلس الوزراء الذي تحرك أخيراً، أم أنها ستكون الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الحكومات التي اختارت ألا تفعل؟

الأدوات القانونية موجودة.
السوابق موجودة. القرارات موجودة.
القرارات الوزارية موجودة. والمطالبة الشعبية موجودة.
هل تمتلك الحكومة اللبنانية أخيراً الشجاعة لاستخدامها؟